الأسرة , شهدت الأيام الماضية حالة من الزخم والجدل حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين في مصر، وتحديداً حول طبيعة الدور الذي ستلعبه الكنيسة في قضايا الطلاق، ومدى إلزامية رأيها لجهات القضاء. هذا الملف الحساس، الذي يمس استقرار آلاف الأسر، استدعى توضيحات حاسمة من جانب الكنيسة والحكومة معاً لقطع الطريق أمام الشائعات والتفسيرات المغلوطة، ورسم خريطة طريق واضحة لكيفية التعامل مع النزاعات الزوجية في المستقبل.

الكنيسة أولاً والمحكمة تفصل: كواليس رحلة الطلاق في قانون الأسرة الجديد
أزاح المستشار القانوني للطائفة الإنجيلية، يوسف طلعت، الستار عن الآلية التشريعية الجديدة التي تنظم العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة القضائية عند حدوث شقاق بين الزوجين. وأوضح أن الكنيسة تظل دائماً هي “خط الدفاع الأول” والملاذ الذي يلجأ إليه الزوجان لمحاولة معالجة الخلافات بشكل ودي ورأب الصدع، انطلاقاً من دورها الروحي والاجتماعي في الحفاظ على كيان الأسرة وحماية الأطفال من الآثار المدمرة للطلاق.
لكن في حال وصول المساعي الودية إلى طريق مسدود، ينتقل الملف إلى ساحة القضاء. وهنا ألزم القانون الجديد القاضي بضرورة استطلاع رأي الكنيسة قبل إصدار حكمه بالانفصال، نظراً لامتلاكها خلفية كاملة ومسبقة عن أسباب النزاع. ووضع القانون سقفاً زمنياً للكنيسة للرد على المحكمة لا يتعدى 45 يوماً. ومع ذلك، يظل القرار الأخير بيد القاضي؛ فرأي الكنيسة استشاري وغير ملزم قانوناً، لكن إذا اختار القاضي صياغة حكم يخالف رؤية الكنيسة، يتوجب عليه قانوناً تبيان وتفصيل الأسباب القانونية التي بني عليها حكمه.

التكامل بين الدين والقانون: معادلة ذكية لحماية الأسرة المصرية
لا يقتصر دور المؤسسات الدينية في المجتمع على الطقوس الروحية فحسب، بل يمتد ليكون صمام أمان مجتمعي يقدم المشورة الأسرية ويسعى للصلح. وتبرز في القانون الجديد معادلة تكاملية ذكية؛ فهي تتيح للمؤسسات الدينية فرصة ذهبية للتدخل الإيجابي والصلح، وفي الوقت ذاته، تحافظ بشكل مطلق على حق الأفراد الدستوري في اللجوء إلى القضاء العادل للحصول على حقوقهم وفقاً للقانون. هذا التوازن يضمن عدم التضحية بالقيم المجتمعية والدينية، ولا بالحقوق القانونية والمواطنة، مما يخلق بيئة تشريعية تحمي الأسرة بصورة شاملة.

الحكومة تقطع الشك باليقين: لا تراجع عن قانون الأحوال الشخصية
في سياق متصل، حسمت الحكومة المصرية الجدل الدائر حول مصير القانون، حيث نفى وزير شؤون المجالس النيابية بشكل قاطع الأنباء التي تداولتها بعض المواقع والمنصات حول سحب الحكومة لمشروع القانون أو تشكيل لجان بديلة لإعادة دراسته. وأكد الوزير أن مشروع القانون أصبح رسمياً في حوزة مجلس النواب وتحت ولايته التشريعية الكاملة، مشدداً على أن الحكومة تحترم المسار الدستوري ولا نية لديها للتراجع عنه.
وأوضح الوزير أن النسخة الحالية للمشروع وافق عليها مجلس الوزراء كقاعدة انطلاق، والهدف الأساسي هو فتح الباب أمام حوار مجتمعي ومؤسسي واسع داخل أروقة البرلمان ولجانه المختصة. وأكد ترحيب الحكومة الكامل بجميع الآراء والمقترحات التي تقدمها المؤسسات المعنية، بهدف الوصول إلى صياغة تشريعية متوازنة تحظى بقبول ورضا المواطنين وتضمن المصلحة الفضلى للأسرة المصرية. وفي الختام، وجهت الوزارة رسالة شديدة اللهجة لوسائل الإعلام بضرورة تحري الدقة ونقل الأخبار من مصادرها الرسمية لمنع إثارة البلبلة.







