أرشليدس , تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، تذكار رحيل القديس “أرشليدس” الراهب المجاهد، الذي يُعد نموذجاً فريداً في تاريخ الرهبنة العالمية. تعكس سيرته العطرة أسمى آيات الانقطاع عن العالم المادي والالتصاق بالخالق، حيث قدم القديس أرشليدس برهاناً عملياً على أن “العهد مع الله” أسمى من العواطف البشرية، مهما بلغت درجة نقائها.

البدايات في روما: من بيوت النبلاء إلى دير القديس رومانوس
نشأ القديس في مدينة روما (رومية القديمة) لأبوين تقيين، وتربى في أجواء مفعمة بالإيمان. وعندما رحل والده وهو في سن الثانية عشرة، وجد نفسه أمام مغريات الدنيا ومجدها الزمني، إلا أن قلبه كان قد تعلق بملكوت السموات. رفض الشاب التقي عرض الزواج والميراث الضخم، وانطلق تائهاً في محبة الله حتى قادته العناية الإلهية إلى دير القديس رومانوس. هناك، خلع ثياب العالم ولبس إسكيم الرهبنة، وانغمس في حياة النسك والتقشف، حتى منحته السماء موهبة شفاء الأمراض وصنع المعجزات، ليصبح علماً من أعلام الروحانية في عصره.

الاختبار الصعب للقديس أرشليدس: الوفاء بالنذر في حضرة “الأم”
اشتهر القديس بعهد قطعه على نفسه أمام الله، وهو ألا ينظر إلى وجه امرأة طوال حياته، مهما كانت الأسباب. وبعد سنوات طويلة من الفراق، تحركت مشاعر الأمومة لدى والدته التي لم تكف عن البحث عنه حتى وصلت إلى باب الدير.
وقف القديس أمام اختبار قاسم؛ فإما أن يكسر نذره ويرى والدته، أو يحافظ على عهده ويحرمها من رؤيته. في هذه اللحظة الدرامية، رفع أرشليدس قلبه بالصلاة طالباً من السيد المسيح أن يأخذ روحه قبل أن تقع عيناه على وجه امرأة، فاستجاب الله لطلبه في الحال. وما إن دخلت الأم الحجرة حتى وجدت ابنها قد أسلم الروح وهو في قمة طهارته، فما كان منها إلا أن صلت بدموع ليسكنها الله بجواره، فلحقت به في اللحظة ذاتها.

مجد القبر الواحد.. رسالة الزهد الباقية
في مشهد مهيب، دُفن القديس أرشليدس ووالدته في قبر واحد، ليكون ذلك رمزاً للقاء الأبدي في السماء بعد الانقطاع الاختياري على الأرض. وقد شرف الله هذا القبر بصنع العديد من الآيات والعجائب، لتظل سيرة أرشليدس محفورة في ذاكرة الكنيسة كأحد “أبطال الإرادة” الذين غلبوا الطبيعة البشرية من أجل المحبة الإلهية. وتؤكد الكنيسة أن هذه السيرة ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي دعوة لكل مؤمن لمراجعة أولوياته والثبات على وعوده الروحية مهما كانت الضغوط المحيطة.






