البيت الأبيض , في مشهد سياسي يخلط بين الطموحات الشخصية والمبادئ الدولية، يشهد العالم انقساماً حاداً حول ما يُعرف بـ “مجلس السلام” الذي أسسه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وبينما يروج البيت الأبيض لهذا المجلس كطوق نجاة للمناطق المنكوبة، جاء رد الفاتيكان بمثابة صدمة دبلوماسية، فاتحاً الباب أمام تساؤلات كبرى: هل السلام مجرد خطة إعمار، أم هو التزام بالقوانين الدولية التي تشكلت عبر عقود؟

خلاف الأجندات: “الغموض” الذي دفع البابا للاعتذار
لطالما كان البابا لاون الرابع عشر، أول بابا أمريكي المولد، صوتاً صارخاً ينادي بأن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو نتاج العدل والقانون. ومن هنا، جاء رفض الفاتيكان القاطع للانضمام إلى مجلس ترامب ليس كمجرد مناورة سياسية، بل كموقف مبدئي.
صرح الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان، بأن الكنيسة تشعر بـ “حيرة” حيال نقاط جوهرية في خطة المجلس. وتكمن هذه الحيرة في الغموض الذي يحيط بأهداف المنظمة التي بدأت كخطة لإعادة إعمار غزة، ثم تحولت فجأة إلى هيئة عالمية لحفظ السلام بصلاحيات واسعة وغير محددة، والأهم من ذلك، تحت رئاسة ترامب “إلى أجل غير مسمى”. بالنسبة للفاتيكان، لا يمكن بناء سلام عالمي على أسس تفتقر للشفافية وتتمحور حول قيادة فردية مطلقة.

تضارب المبادئ بين البيت الأبيض والفاتيكان: القانون الدولي في مواجهة “الأخلاق الخاصة”
يتجاوز الخلاف بين الفاتيكان وإدارة ترامب التفاصيل الإدارية ليصل إلى صلب الفلسفة السياسية. فبينما يصر البابا في خطاباته الدبلوماسية على أن الأمم المتحدة يجب أن تضطلع بدور محوري في حل النزاعات، يتبنى ترامب نهجاً مختلفاً تماماً.
لقد صرح ترامب سابقاً بأنه يشعر بالتحرر من قيود القانون الدولي ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، مكتفياً بما وصفه بـ “أخلاقه الخاصة”. هذا التباين خلق فجوة عميقة؛ فالفاتيكان يرى في “مجلس السلام” تهديداً مباشراً لشرعية الأمم المتحدة وجهودها التاريخية، بينما يراه البيت الأبيض “منظمة شرعية” تضم عشرات الدول. ويرى المراقبون أن إصرار ترامب على تجاهل الأعراف الدولية هو ما جعل دولاً كبرى مثل بريطانيا وفرنسا والنرويج تحذو حذو الفاتيكان في رفض التوقيع على أي دعوة للانضمام.

واشنطن تحت الاختبار: اجتماع الخميس وتحدي الشرعية
على الرغم من موجة الرفض الأوروبي والديني، تستعد واشنطن لاستضافة الاجتماع الأول للمجلس يوم الخميس المقبل. وتدافع المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عن المشروع بقوة، معتبرة أن السلام لا ينبغي أن يكون “حزبياً أو مثيراً للجدل”.
لكن الواقع يقول إن المجلس وُلد مثيراً للجدل بالفعل. فالمخاوف لا تتوقف عند حدود السياسة، بل تمتد لتشمل القضايا الإنسانية مثل الهجرة، التي كانت نقطة صدام قديمة بين البابا وترامب. وبينما يحاول البيت الأبيض تصوير الرفض على أنه “قرار مؤسف” يعيق إعادة إعمار المناطق التي عانت من الفقر والدماء، يرى المعارضون أن المجلس ليس سوى أداة لتعزيز نفوذ سياسي يتجاوز المؤسسات الدولية الراسخة. ومع اقتراب موعد الاجتماع، يبقى السؤال: هل ينجح مجلس ترامب في فرض نفسه كبديل للنظام العالمي الحالي، أم سيظل كياناً معزولاً تفتقر أهدافه لمباركة القوى الأخلاقية والدبلوماسية الكبرى؟








