تواضروس , في لفتة وفاء تعكس تقدير الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لرموزها المخلصين، يستعد دير القديس الأنبا مكاريوس السكندري بجبل القلالي لاستقبال قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، صباح الاثنين 30 مارس المقبل. يترأس قداسته القداس الإلهي لإحياء الذكرى الأولى لرحيل مثلث الرحمات نيافة الأنبا باخوميوس، مطران البحيرة ومطروح وخمس مدن غربية، بمشاركة نيافة الأنبا إيلاريون، ونيافة الأنبا باخوميوس (أسقف الدير)، وحشد من الآباء الأساقفة والكهنة، لنتذكر معاً مسيرة رجلٍ لم يكن مجرد أسقف، بل كان صمام أمان للكنيسة والوطن.

من ملاعب الصبا إلى أروقة النسك: محطات التكوين والرهبنة
لم تكن حياة الأنبا باخوميوس وليدة الصدفة، بل كانت نتاج إعداد إلهي دقيق. ولد في 17 ديسمبر 1935، وتنقلت أسرته بين طنطا والزقازيق بحكم عمل والده كمهندس مساحة. في الزقازيق، تبلورت شخصيته القيادية خلال دراسته الجامعية وحصوله على “التوجيهية” عام 1954.
لكن نداء السماء كان أقوى من طموحات العالم؛ ففي 11 نوفمبر 1962، ودّع العالم ليرتدي ثوب الرهبنة في دير السريان العامر باسم “الراهب أنطونيوس السرياني”. هناك، في صمت الصحراء، صُقلت روحه بالصلاة والتأمل، ليكون مستعداً للدور التاريخي الذي ينتظره.

باكورة سيامات البابا شنودة: رحلة الصعود من الأسقفية إلى المطرانية
في 12 ديسمبر 1971، سطر التاريخ فصلاً جديداً، حيث كان
(ومعه المتنيح الأنبا يوأنس) أول أساقفة يسامهم مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث بعد أقل من شهر على جلوسه على الكرسي المرقسي. كانت هذه السيامة بمثابة وضع حجر الأساس لنهضة كنسية شاملة في إقليم البحيرة.
استمر عطاؤه لسنوات طويلة حتى نال رتبة “مطران” في سبتمبر 1990. ولم يكتفِ الأنبا باخوميوس بالبناء المعماري للكنائس، بل اهتم ببناء “الإنسان”؛ فخرج من تحت يديه أجيال من الخدام والرهبان، وكان على رأس تلاميذه الذين نهلوا من حكمته قداسة البابا تواضروس الثاني، الذي يشهد دائماً بفضل أبيه الروحي ومعلمه.

“القائم قام” الحكيم قبل تجليس البابا تواضروس: ثمانية أشهر عبرت بالكنيسة إلى بر الأمان
تتجلى أعظم لحظات الأنبا باخوميوس في تلك الفترة الحرجة التي تلت نياحة البابا شنودة الثالث في مارس 2012. في وقت كانت تمر فيه مصر والكنيسة بتحديات جسيمة، اختير ليكون “القائمقام البطريركي”. لمدة ثمانية أشهر، أدار دفة الكنيسة بحكمة هادئة، وصبر أيوب، وحزم القائد.
استطاع ببراعة أن يقود المرحلة الانتقالية حتى تجليس البابا تواضروس الثاني في نوفمبر 2012، تاركاً نموذجاً يُدرس في الإدارة الروحية والوطنية. لقد أثبت للعالم أجمع أن الكنيسة القبطية مؤسسة عريقة قادرة على عبور الأزمات بفضل رجال عظام مثل الأنبا باخوميوس، الذي سيظل اسمه محفوراً في قلوب الأقباط كرمز للأبوة الحانية والقيادة الرصينة.






