تادرس , خيم الحزن على أرجاء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومدينة الإسكندرية، برحيل واحد من أبرز أعمدتها العلمية والروحية، القمص تادرس عطية الله إبراهيم، كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس والأمير تادرس بمطار النزهة. رحل الأب الفاضل عن عمر يناهز 63 عاماً، إثر حادث أليم بمنطقة محرم بك، تاركاً خلفه إرثاً ضخماً من المحبة والتعليم الذي تتلمذت عليه أجيال من الدارسين والخادمين.

منارة التعليم: القمص تادرس ثلاثة عقود في محراب الخدمة الإكليريكية
لم يكن القمص تادرس مجرد كاهن يمارس طقوسه الرعوية، بل كان “أستاذاً ومعلماً” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بصفته أستاذاً لمادة العهد الجديد بالكلية الإكليريكية بالإسكندرية، استطاع أن يحول النصوص اللاهوتية الجامدة إلى منهاج حياة. عُرف بين طلابه بالدقة العلمية الممزوجة بروح الرعاية، حيث كان يرى أن “العلم بلا روحانية هو حرف يقتل، والروحانية بلا علم هي عاطفة قد تضل”.
لقد وهب الراحل حياته للبحث في أعماق العقيدة وشؤون الأسرة، مخلّفاً مكتبة غنية من المؤلفات التي ستظل مرجعاً لكل باحث عن الحق والمعرفة. كانت كلماته في المحاضرات والكتب تتسم بالبساطة والعمق في آن واحد، مما جعل منه قبلة للشباب والعائلات الباحثين عن إجابات لتحديات العصر المعقدة.

رحلة البذل: من سيامة البابا شنودة إلى تدبير البابا تواضروس
تجسد مسيرة القمص تادرس قصة إخلاص بدأت منذ ولادته في 9 أغسطس 1963، وتكللت بدخوله سلك الكهنوت في 7 سبتمبر 1997 بيد مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث. وعلى مدار 29 عاماً من الخدمة الكهنوتية، ظل الأب الراحل شعلة نشاط لا تنطفئ، يخدم الصغير والكبير بقلب مفتوح.
وفي 16 أكتوبر 2021، نال درجة “القمصية” بيد قداسة البابا تواضروس الثاني، تقديراً لجهوده وتفانيه في خدمة الكنيسة والمجتمع. لم تكن الرتب بالنسبة له وجاهة، بل كانت مسؤولية إضافية حملها بصبر واتضاع حتى اللحظة الأخيرة من حياته، حيث لم يتوقف عن العطاء حتى في أدق تفاصيل حياته اليومية.

وداع مؤثر: الكلية الإكليريكية تنعى “أيقونة” العطاء
بكلمات مؤثرة ملؤها الإيمان، نعت الكلية الإكليريكية اللاهوتية بالإسكندرية، برئاسة القمص أندراوس متى وعموم هيئة التدريس، ابنها البار. وقد وصفت الكلية الراحل بأنه كان نموذجاً للإخلاص التعليمي، مشيدةً بدوره في صياغة عقول الخدام بروح رعوية مميزة.
لقد كان القمص تادرس جسراً يربط بين العلم الأكاديمي والواقع العملي، وهو ما جعل رحيله يترك فراغاً كبيراً في قلوب محبيه. ورغم قسوة الحادث الذي أدى لانتقاله إلى الأمجاد السماوية، إلا أن تلاميذه يؤكدون أن “جسده قد غاب، لكن صوته سيبقى حياً في قاعات المحاضرات وبين رفوف الكتب”.
ختاماً، تتقدم الكنيسة بخالص التعازي لأسرة الأب المبارك، مصلين أن يمنحهم الرب عزاءً سمائياً، ولروحه الطاهرة الراحة في أحضان القديسين، جزاءً لما قدمه من تعب ومحبة لخدمة كنيسته ووطنه.








