الهيكل , في قلب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث تتعانق رائحة البخور مع ألحان “تزكية” القرون، يقف الكاهن والخدام حفاة الأقدام أمام المذبح. هذا المشهد المهيب ليس مجرد تقليد متوارث أو عادة عابرة، بل هو لغة بصرية وروحية ضاربة في عمق التاريخ، تروي قصة احترام الإنسان لقدسية المكان الذي يحل فيه “الله” سرائرياً. إنها فلسفة “الاحتشام الروحي” التي تعلمها الكنيسة لأبنائها منذ مئات السنين، لتؤكد أن الوقوف أمام الله يتطلب تجرداً كاملاً من كل ما هو أرضي وزائل.

من “العليقة” إلى “المذبح”: جذور الطقس في الكتاب المقدس
لا يبدأ طقس خلع الحذاء من أبواب الكنائس الحديثة، بل تعود جذوره إلى لحظة فارقة في تاريخ البشرية؛ حينما نادى الله موسى النبي من وسط العليقة المشتعلة قائلاً: «إخلع نعلك من رجليـك، لأن الموضع الذى انت واقف عليه أرض مقدسه» (خروج 3: 5). هذا الأمر الإلهي تكرر بحذافيره مع يشوع بن نون عند أسوار أريحا، ليرسخ مبدأً سماوياً ثابتاً: “الحفاء هو وقار الحضرة الإلهية”.
في الفكر الأرثوذكسي، يُعتبر الهيكل هو “قدس أقداس” العهد الجديد، حيث يُقدم سر “الإفخارستيا” (جسد المسيح ودمه). لذا، فإن خلع الحذاء هو إقرار عملي من المؤمن بعدم استحقاقه الكامل للوقوف في هذا الموضع المضيء، وهو محاكاة لخشوع الأنبياء العظام الذين أدركوا أن الأرض التي تلمسها أقدامهم قد تقدست بظهور المجد الإلهي عليها.

رمزية “مخلوع النعلين” قبل دخول الهيكل : الخادم الذي لا يملك العروس
يتعمق الطقس في دلالاته الروحية والاجتماعية بالعودة إلى التقليد اليهودي القديم، وتحديداً في طقس “الفك” أو ما يُعرف بـ «مخلوع النعلين» في شريعة الزواج. كان خلع الحذاء يرمز إلى التنازل عن الحق أو الملكية. وهنا تبرز رمزية كنسية مذهلة؛ فالكاهن والشماس يخلعان أحذيتهما تأكيداً على أنهما ليسا “عرسان الكنيسة”، بل هما مجرد خدام للسر العظيم وخدام لجمهور المؤمنين.
العريس الحقيقي للكنيسة هو السيد المسيح وحده، والخدام بوقوفهم حفاة يعلنون بوضوح: “نحن لا نملك هذه الرعية، بل نحن مؤتمنون على خدمتها”. هذا التواضع الممزوج بالخدمة يجعل من الطقس درساً يومياً في إنكار الذات، حيث يختفي “حب الظهور” وتذوب الأنا الفردية أمام عظمة المذبح، ليتحول الخادم إلى أداة طيعة في يد الروح القدس.

ما وراء الطقس: رحلة التجرد من الهموم الزمنية إلى السماء
إن الكنيسة القبطية، بعبقريتها الطقسية، لا تضع قانوناً إلا وله هدف “خلاصي”. خلع الحذاء الذي يُصنع غالباً من جلود الحيوانات الميتة، يرمز روحياً إلى خلع “الأعمال الميتة” والشهوات الأرضية قبل الدخول إلى “حضرة الحي الدائم”. هو دعوة لكل مصلٍ بأن يترك هموم العالم، ومشاغل الرزق، وطموحات المادة عند عتبة الهيكل.
بينما يتحرك الخدام داخل الهيكل حفاة، يشعرون بأنهم قد انفصلوا عن جاذبية الأرض، كأنهم يعيشون حالة “سماوية” مؤقتة وهم لا يزالون في الجسد. هذا الطقس هو “ترمومتر” الروح؛ فكلما تجرد الإنسان من مظاهره الخارجية، زاد انغماسه في جوهر الصلاة والتأمل. وهكذا تظل الكنيسة الأرثوذكسية حارسة لهذه الرموز، لتبقى “هيبة الهيكل” محفورة في قلوب الأجيال، تذكرهم دوماً بأن الوقوف أمام الله هو أسمى لحظات الوجود الإنساني.








