البابا . تمر علينا ذكرى رحيل القديس البابا كيرلس السادس، ذلك اليوم الذي لم يكن مجرد نهاية لرحلة بطريرك، بل كان تتويجاً لحياة عاشها “سائحاً” في ملكوت الله وهو لا يزال على الأرض. في التاسع من مارس عام 1971، ودعت الكنيسة القبطية والعالم رجلاً لم تكن قوته في سلطانه، بل في ركبتيه المنحنيتين دائماً أمام المذبح.

فجر الرحيل: صلاة لا تنقطع حتى الرمق الأخير
بدأ قداسته يومه الأخير كما بدأ كل أيام حياته: بالالتصاق بالسماء. في سكون الليل، وبينما كان العالم غارقاً في النوم، استيقظ قداسته ليصلي “تسبحة نصف الليل”. ومع حلول الخامسة صباحاً، جلس في قلايته (غرفته الخاصة) يستمع بإنصات وخشوع إلى القداس الإلهي الذي كان يُقام في الكاتدرائية المرقسية عبر السماعات.
لم يكن المرض أو التعب حائلاً بينه وبين معشوقه الأول “القداس”، فقد ظل قلبه ينبض مع الألحان الكنسية، وعقله شارد في الشفاعة من أجل كل المحتاجين والمتألمِين الذين اعتادوا أن يلقوا بأحمالهم عند عتبة بابه.

اللحظات الحرجة لقداسة البابا كيرلس: وداع هادئ على أعتاب السماء
في تمام العاشرة صباحاً، بدأت فصول الختام. أثناء تحركه داخل القلاية، داهمه دوار شديد كاد أن يطرحه أرضاً، لولا تدخل تلميذه الأمين، الأستاذ فهمي شوقي، الذي أسنده برفق وأراحه على سريره. هرع الأطباء في محاولات مستميتة لإنقاذ حياة البطريرك الذي أحبه الملايين، لكن “صوت السماء” كان أقوى من نداءات الأرض.
في تلك اللحظات الفاصلة، وبينما كان يصارع الجسد، لم ينسَ رعيته. نطق بكلماته الخالدة التي لا تزال تتردد في آذان كل من يمر بضيق: “الرب يدبر أموركم”. كانت هذه الجملة هي الميراث الروحي الذي تركه خلفه، وكأنه يطمئن الجميع بأن تدبير الله لا ينتهي برحيل البشر. وفي الساعة العاشرة وأربعين دقيقة صباحاً، أسلم الروح بسلام وهدوء، تاركاً خلفه سيرة عطرة لا تموت.

ساعة “مريوط” التي توقف فيها الزمن
هناك مشهد يحبس الأنفاس يراه كل زائر لدير مارمينا العجائبي بمريوط؛ إنها ساعة قداسته الخاصة. لقد توقفت عقارب هذه الساعة بدقة متناهية عند لحظة انتقاله (10:40)، وكأن الزمن نفسه قد أصيب بالذهول من رحيل هذا القامة الروحية، فرفض أن يستمر في الدوران.
اليوم، يقف المئات أمام هذه الساعة المعروضة بمزاره، ليس فقط لمشاهدة أثر تاريخي، بل ليستمدوا الأمل من ذكرى رجل كانت حياته سلسلة من المعجزات، وكان رحيله باباً مفتوحاً لشفاعة لا تنقطع. لقد رحل قداسته بالجسد، لكنه ظل حياً بكلمته الأخيرة، يهمس في أذن كل متعب: “لا تقلق.. الرب يدبر أموركم”.








