تواضروس , في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، تظل “المحبة” هي العملة النادرة واللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة. هذا ما جسده قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، خلال عظته الأسبوعية التي لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل دستوراً روحياً ومنهاجاً لبناء المجتمعات. فالمحبة في منظور قداسته ليست مجرد عاطفة جياشة أو كلمات نرددها، بل هي قوة محركة قادرة على ترميم الانكسارات وتحويل العداوات إلى جسور من المودة والتعاون.

المبادرة والعطاء: حين تتحول المحبة من شعور إلى حياة
أكد قداسة البابا أن المحبة التي لا تترجم إلى أفعال هي محبة ناقصة. فالمحبة الصادقة تتطلب شجاعة “المبادرة”؛ أي ألا ننتظر الآخرين ليبدؤوا بالخير، بل نكون نحن المصدر. وقد استلهم قداسته من قصة المرأة السامرية درساً بليغاً في كيفية تغيير مجرى الحياة عبر العطاء الصادق.
إن منح “الماء الحي” للآخرين، كما فعل السيد المسيح، يرمز إلى تقديم الدعم الروحي والنفسي الذي يحتاجه الإنسان ليستعيد توازنه. فالمحبة بهذا المفهوم هي فعل يومي مستمر، يظهر في ابتسامة صادقة، أو مساندة في وقت شدة، أو صدق في التعامل يمنح من حولنا شعوراً بالأمان وبداية جديدة.

سلاح الانتصار: كيف تهزم المحبة الخلافات والعداوات؟
في إطار سلسلة “قوانين كتابية”، طرح البابا رؤية عميقة حول قدرة المحبة على تصفية الماضي. إننا نعيش في مجتمعات لا تخلو من النزاعات، لكن المحبة الصادقة تعمل كـ “ممحاة” للضغينة. هي القانون الذي لا يسقط أبداً، وهي القوة الوحيدة القادرة على كسر دائرة الكراهية.
لقد أوضح قداسته أن المحبة الحقيقية تمنحنا القدرة على التجاوز، ليس ضعفاً، بل رقيّاً. فعندما نختار أن نزرع الخير في حياة الآخرين، فإننا نكتب تاريخاً جديداً للعلاقات الإنسانية، مؤكداً أن ما يتبقى للإنسان في نهاية رحلته ليس ممتلكاته، بل الأثر الطيب الذي تركه في قلوب من عرفوه. فالمحبة هي الاستثمار الوحيد الذي لا يعرف الخسارة.

دعوة البابا تواضروس للتطبيق: المحبة كنمط حياة يومي
لم يكتفِ البابا بالجانب النظري، بل اختتم رسالته بدعوة عملية موجهة لكل فرد. الهدف هو تحويل “المحبة الصادقة” إلى سلوك تلقائي ينعكس في تفاصيل يومنا البسيطة. فعندما تصبح المحبة هي المحرك لعلاقاتنا داخل الأسرة، وفي العمل، ومع الغرباء، نكون قد بدأنا فعلياً في تغيير العالم من حولنا.
إن رسالة “اجتماع الأربعاء” كانت واضحة: المحبة هي القانون الروحي الذي يربط الأرض بالسماء، وهي الضمان الوحيد لاستمرار المودة والتعاون بين البشر. فالمحبة التي لا تتأثر بالظروف ولا تسقط أمام التحديات هي التي تمنحنا القوة لنكون نسخة أفضل من أنفسنا كل يوم.







