السريان , أثار الموقع الرسمي لدير السيدة العذراء مريم المعروف بـ “دير السريان”، التابع للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حالة واسعة من الجدل والنقاشات بين الأوساط القبطية ورواد منصات التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية. جاء ذلك على خلفية نشر الدير تذكارًا خاصًا بوفاة (نياحة) الراهب والقمص الراحل متى المسكين.
ولم يكن هذا النشر ليمر مرور الكرام نظرًا للمكانة الفكرية واللاهوتية المعقدة والبارزة التي يمثلها الأب متى المسكين في التاريخ الكنسي الحديث. وتفاديًا لأي تفسيرات خاطئة أو تأويلات قد تبتعد عن الجوهر الحقيقي للمبادرة، سارعت إدارة الدير التاريخي العريق بإصدار بيان توضيحي حاسم وشامل يضع النقاط على الحروف، مفسرةً الخلفيات والملابسات التي دعتها لنشر التذكار، والأسباب الموضوعية التي دفعتها لاحقًا لاتخاذ قرار برفع التذكار من الموقع.

منظور تاريخي بحت ووفاء لرهبنة دير السريان
أكدت إدارة دير السريان في مستهل توضيحها أن الخطوة الأولى بنشر التذكار نبعت من دافع كنسي وإنساني نبيل، يرتكز بالأساس على قيم الوفاء والتقدير لكل من ترك بصمة داخل أسوار هذا المكان المقدس. وأوضح البيان أن القمص متى المسكين قضى جزءًا مهمًا ومحوريًا من حياته الرهبانية المبكرة وتدرجه الروحي داخل دير السريان، وبالتالي فإن الإشارة إليه جاءت من منظور تاريخي وتوثيقي بحت يربط الراهب بالدير الذي احتضنه لفترة من الزمن. وشدد الدير على أن هذا التذكار لم يكن يحمل في طياته أي أبعاد عقائدية، ولم يكن يهدف على الإطلاق إلى الانحياز أو تبني مواقف معينة تتعلق بالجدل الفكري والديني الدائر حول بعض الآراء والكتيبات المنسوبة للأب متى المسكين، بل كان مجرد لفتة تقديرية لشخصية مرت في تاريخ الدير الرهباني.

الحكمة الرعوية وحذف التذكار منعًا للشقاق
ومع تصاعد ردود الأفعال المتباينة بين أبناء الكنيسة، أظهرت إدارة الدير مرونة وحكمة رعوية بالغة؛ حيث قررت إزالة التذكار من موقعها الرسمي حرصًا على المصلحة العليا للكنيسة. وبحسب ما جاء في البيان، فإن قرار الحذف لم يكن اعترافًا بوجود خطأ في النشر الأصلي، ولا يمكن تفسيره كإنكار لرهبنة الأب متى المسكين أو تراجع عقائدي، وإنما جاء بدافع الحكمة والرعاية الأبوية المسؤولة. وأشارت إدارة الدير إلى أن الحفاظ على السلام الروحي والمحبة الأخوية بين أبناء الكنيسة الواحدة، وتجنب السجالات العقيمة والنزاعات الفكرية التي قد تنشأ نتيجة تباين وجهات النظر حول الشخصيات التاريخية، هو الأولوية القصوى التي تفوق أي اعتبارات توثيقية أو تاريخية أخرى، منعًا لفتح أبواب الخلاف.

القمص متى المسكين بين الإرث الروحي والجدل اللاهوتي
يعكس هذا الحدث بوضوح الحساسية الكبيرة والمكانة الفريدة التي لا يزال يحتلها الأب متى المسكين في الوجدان القبطي والكنسي حتى يومنا هذا. فالرجل يُعد بلا شك أحد أبرز الرهبان والكتّاب الروحيين في القرن العشرين، وله مؤلفات تركت أثرًا عميقًا في المكتبة المسيحية وتُرجمت إلى عدة لغات. ورغم هذا الإرث الروحي الضخم، لا تزال بعض أطروحاته وكتاباته اللاهوتية مادة لنقاش مستمر ومحتدم بين مؤيدين يرون فيه مجددًا للحياة الرهبانية والروحية، ومعترضين يرون في بعض آرائه خروجًا عن النمط التقليدي المألوف. وفي ظل هذا المشهد المعقد، جاء موقف دير السريان ليعيد التذكير بأن الكنيسة، في ترفعها عن الصراعات، تضع دومًا روح المحبة، والسلام الداخلي، والوحدة والانسجام بين جميع أبنائها فوق أي اعتبار أو قضايا جدلية أخرى.








