البحث

فى ليلة عرس العذراء.. ملايين الزوار يودعون أم النور من أعلى جبل درنكة..

منذ 1 شهر
August 22, 2019, 5:07 am
فى ليلة عرس العذراء.. ملايين الزوار يودعون أم النور من أعلى جبل درنكة..

حدث
فى ليلة عرس العذراء ملايين الزوار يودعون "أم النور" من أعلى جبل درنكة
أكثر من 2000 عام ونور العذراء لم ينقطع، تحتضن من جاءها محبًا، ومن يأتيها عاصيًا تضئ ببركتها قلبه تعيده إلى صوابه كأم تحمل هموم العصاة قبل الطائعين.

فى دير العذراء بجبل درنكة، لم يخلف محبو العذراء موعدهم معها، أتوها من كل حدب وصوب يحتفلون معها بعيدها بعد صوم استمر أسبوعين، قضاه الأقباط فى تقشف وصلوات وعبادة، ومدائح كتبت خصيصا للبتول التى باركت بقدميها هذا المكان فى نهاية رحلة هروبها مع عائلتها المقدسة من بطش الملك هيرودس، احتضنتها مغارة جبل درنكة، فأكلت فيها بعد جوع، وآمنت فيها من خوف، ثم تمر سنوات وسنوات وتنكشف المغارة، يعرف الرهبان السر، كانت العذراء هنا، وتركت أثر قدميها أمانة انفتحت من بعدها مدارس للرهبنة وأديرة للراهبات وكنائس للزوار ترفع فيها اسم الله آناء الليل وأطراف النهار.
الطريق إلى مغارة العذراء
 
يبعد دير العذراء مريم بجبل أسيوط الغربي 12 كم عن مدينة أسيوط إذ تأسس الدير فى مغارة أعلى الجبل مرتفعة عن سطح الأرض، إذ قطعت العائلة المقدسة تلك المسافة حين أتتها بشارة العودة إلى فلسطين فسافرت من محطتها الأخيرة الدير المحرق الذى يقع شمال أسيوط إلى تلك المنطقة التى كانت مرسى للسفن المبحرة شمالا فى نهر النيل.
بينما صار الطريق إلى الدير وكأنه طريقا للعذراء، مئات السيارات تصعد الجبل يوميا بينما يفضل بعض الزوار السير مشيا نحو الدير وفاءً لنذر أو محبة للقديسة مريم، ستعبر السيارة منحدرات جبلية بعد أن تمر من أمام مقابر الأقباط الذين اختاروا أن يدفنوا جوار ديرهم المبارك، ثم تبدأ رحلة النقاط الأمنية فلن يصعد إلى الجبل من أراد بالعذراء شرا ورجال الأمن يبحثون ويفحصون المارة والسيارات وحتى الدواب التى يسوقوها أصحابها لتذبح محبة فى الدير.
.
عند البوابة الأخيرة للدير ستتوقف السيارة وتتركك لتصعد منحدرًا جبليًا على قدميك، تحوطه بنايات مملوكة للدير، وصلبان تقف منتصبة فى السماء، البنايات المحيطة مملوكة للدير يؤجرها للزوار سنويًا، تزيد الأسعار كلما اقتربت من مغارة العذراء أكثر، وتزيد أكثر إذا طلت شرفتك على دورة العذراء التى تنطلق فى الرابعة عصرًا يوميًا، وبين الدير ومبانيه، آلاف العاشقين يفترشون الجبل بالملاءات والحصير، يتنفسون هواء سرى فيه نَفَس العذراء من قبل، يأتون بعد غياب شمس الصعيد الحارقة يبيتون ليلتهم، يستيقظون على أصوات أجراس الكنائس الكثيرة تعلن بدء القداس فى السابعة صباح كل يوم، تسبقه أصوات الترانيم العذبة، تنطلق من سماعات كثيرة تغطى المنطقة كلها، وشاشات عرض عملاقة يجلس أمامها المحبون يتابعون طقوس الصلاة والعبادة إن عطلهم الزحام عن الوصول.
تسمع فى طريقك ألحانًا كنسية باللغة القبطية، تقطعها «كيراليسون» يارب ارحم، ومن تلك السماعات العملاقة التى تطلقها المحال المنتشرة فى ساحة الدير ستطرب أذنك لسماع تمجيد العذراء السلام لك يا مريم يا حمامة يا جليلة السلام لك يا مريم يا قوية يا أمينة.
المحال نفسها التى تبيع منتجات الدير تتسمى بألقاب العذراء، محل الطيور يسمى بالحمامة الحسنة وهو اسم للعذراء فى الإنجيل، ومحل المنتجات الحيوانية يسمى بأم النور، أما محل البقالة فيسمى الممتلئة نعمة وهو اسم للعذراء أيضًا ذات المائة وخمسين لقبًا، تشعر أن كل الأماكن والأسماء والصور تكتسى بها وهى تحاول أن تنال من فيض بركتها.
المكرسات
 
 أصعد فى الجبل أكثر، كنائس كثيرة حولك، ترى كنيسة المغارة، موطأ قدم العذراء وطفلها المسيح، ويوسف النجار مرشد الرحلة ودليلها.
داخل المغارة، مجسم للعذراء، تقف بزيها الأزرق، تفتح ذراعيها لزوارها حبًا ونورًا، تزغرد لها سيدة «شا الله يا أم النور شا الله يا عدرا مريم» تخرج من حقيبتها عقدًا طويلًا، صنعته بأيديها من ورد وياسمين، تلبسه للعذراء وتزغرد لها، تعدها أن تصنع لها عقدًا من الجنيهات العام المقبل، يقول زوجها مخاطبًا العذراء «لو أملك أعملك عقد دهب يا عدرا».
من السقف تتدلى صور العذراء، وقديسين كثر، استشهدوا فداء للمسيحية فى حروبها الكثيرة مع الوثنيين، وعلى اليمين ترى أحواضا ثلاثة كبيرة محاطة بالرخام، يعلوها الصليب الخشبى، تجاورها آنية ألومنيوم صغيرة تمتلئ بزيت الميرون المقدس، الأحواض مخصصة لطقس التعميد، يدخل من خلالها مواليد جدد إلى المسيحية بعدما يغطسون فى الماء بيد الكاهن ثلاث مرات، وتدهن أجسادهم بزيت الميرون.
وعلى العكس من كل الكنائس، التى يوضع الهيكل فى آخرها، ينتصب هيكل كنيسة المغارة فى منتصفها محاطًا بسياج خشبى، يقف أمامه الأقباط يتضرعون.
يسار الهيكل، ترى طابورًا طويلًا، أمام مزار مغلق بسور حديدى آخر، وحوله خدام الكنيسة ينظمون الصفوف، هو مزار العذراء، وجحر اختبائها، بداخله صورة أثرية لها وورود وحمامتان محبوستان ولا يفكران فى الطيران بعيدًا عنها، وصندوق نذور خشبى يضع فيه العاشقون النذر ويطلبون مطالبهم من شفيعة المستحيلات فيلبى الله، جوار صندوق النذور أوراق صغيرة، مطالب وأسرار الزوار، كتبوها على ورق، سجلوا أمانيهم، أخرجوها من القلب إلى الورق حتى تشهد العذراء على توسلهم لها.
فى أوراق المصريين، ورسائلهم إلى العذراء أمنيات بسيطة، ومطالب بالرحمة والشفاء والحب، تشير أم مينا، إلى فتاة متعلمة أن تكتب لها خطابًا إلى العذراء، تملى عليها «مينا يحب أمه زى ما المسيح حب مريم»، أما مايكل، يكتب «أنا وميرا تتحل مشاكلنا ببركة العذراء ونفضل مع بعض على طول ببركة أم النور آمين»، فتعلم أن خلافات تدب بينه وبين خطيبته تستلزم تدخل العذراء لحلها.
حكاية العائلة المقدسة فى مصر
 
وعلى يسار المغارة، مغارة أخرى يتكرر فيها المشهد نفسه، وتختلف أيقونة العذراء داخلها عن التى تضمها المغارة الأخرى.
خراف وعجول تذبح محبة للعذراء فى طرقات الدير، تقابل شبابًا ورجالًا، يجرون الماشية من رؤوسها أو أذنيها، أو يحملون الخراف الصغيرة على أكتافهم يصعدون بها أعلى الجبل، حتى يبلغوا مكان الذبائح، الذى كتب عليه «الذبح والنذور»، ستتعرف عليه من تلك الرائحة النفاذة للحوم، الدم يزكم الأنوف فى المذبح جزارون متطوعون بالخدمة.

"أشرف" يعمل مدرسًا للغة الفرنسية ولكنه يتطوع بالخدمة فى مذبح الدير منذ 10 سنوات، أما ديفيد فهو طالب بكلية الحقوق ويتطوع فى المذبح منذ أن كان مراهقًا فى الإعدادية.
«نترك كل أعمالنا فى فترة الدير ونأتى لنحصل على بركة العذراء كل عام» يقول أشرف، ويؤكد أن المذبح يستقبل عشرات الرؤوس من الماشية الحية يوميًا تذبح وتوزع على فقراء الكنيسة، أو تحتفظ بها إدارة الدير فى ثلاجات عملاقة لتمنحها لمن يستحق من إخوة الرب الفقراء، ويحصل الناذر على نصيبه من الذبح حسبما اتفق وحسبما يريد.
عم صدقى جزار المذبح يقول، إنه يذبح ما يزيد على ألف رأس فى آخر يومين حين يشتد الزحام بالدير، متبرعون من المسلمين والأقباط، يأتون للعذراء ويلبون النذر بعدما تحقق طلباتهم.

دور العذراء قطار الشمامسة يهبط من الجبل
 
فى السادسة مساءً، تبدأ دورة دير العذراء، من أعلى الجبل حتى سفحه، ينطلق قطار الشمامسة الطويل، يحوطه الناس من اليمين واليسار، شمامسة من كل الأعمار يرتدون «التونيا»، أو ملابس الاحتفالات الكنسية الأرثوذكسية، جلباب أبيض، وشرائط حمراء مرصعة بالذهب، القطار مزدحم بشمامسة من كافة الأجيال، شماس عجوز يقترب من السبعين، وأمامه حفيده لا يتجاوز الثلاث سنوات، شمامسة شباب جامعيون وطلاب مدارس، والأسقف فى منتصف القطار كدرة التاج.
يسير القطار، يطير الحمام أعلاه، تختلط الزغاريد بالابتهالات، السلام لك يا مريم يا يمامة يا جليلة، السلام لك يا مريم يا فاضلة وأمينة، السلام لك يا مريم يا رجاء كل القلوب، السلام لك يا مريم يا نجاة من الحروب، يهلل الناس على الجانبين، يرفع الشمامسة صور العذراء مريم، والصليب، ويرفع شمامسة آخرون صورًا للعذراء تحتضن المسيح، يحاول الناس أن يحفوها بأيديهم طلبًا للنور والبركة.
فى منتصف دورة الشمامسة تمامًا، يسير الأسقف الأنبا يؤانس فى عيد العذراء، يطيّر حمامًا فى السماء، يسير فى منتصف الركب وسط حاجز حديدى أزرق يحمله الشمامسة، حفاظًا على النظام وخوفًا من إفساد عرس العذراء، يمنع الحاجز الناس من ملامسة الأسقف والهجوم عليه طلبًا للبركة، ولكن أياديهم تصل إليه أيضًا دون أن يعطله الزحام عن الدوران حول الجبل والقطار من أمامه ومن خلفه.
خلف الأسقف مباشرة، يحمل شمامسة آخرون صورة أثرية للعذراء، يرجع تاريخها إلى 1500 عام وهى واحدة من مقتنيات كنيسة المغارة، بمجرد ظهورها، تلقى الحلوى عليها وعلى الشمامسة، من شرفات مساكن الدير المزدحمة بأحباب العذراء، ويرش آخرون الركب بالعطر فتفوح روائحه لتضفى على الموكب جمالًا فوق جمال.

بعد مرور الأسقف يمر الأكليروس، الآباء الكهنة والرهبان والمكرسين، وأصحاب الرتب الكنسية كلها، يصل القطار لمحطته الأخيرة، أسانسير فى مبنى صغير متصل بقلاية «سكن الراهب» الأنبا يؤانس فى الجبل، يصعد إليه والناس تشير له بينما ينتقل الشمامسة لمبنى آخر.
فى قرى درنكة دورة شعبية لأم النور تجوب شوارعها الريفية
 
بالتوازى مع دورة العذراء التى تخرج من مغارتها وتهبط أسفل الجبل، اعتاد أهالى قرية درنكة الواقعة تحت سفح الجبل الذى يضم الدير، تسيير دورة موازية على طريقة الموالد الشعبية، فتخرج سيارة صغيرة تحمل تمثالا للعذراء من كنيسة درنكة، يتقدمها الشمامسة ينشدون ألحانهم الكنسية بينما يتطوع الأهالي بالتصفيق والتهليل والرقص فى محبة العذراء، حتى أن أحدهم توج أم النور بعقد من الجنيهات الورقية محبة لها، بينما تولى أخرون الرقص والتصفيق والزغاريد وسط تهليل الأهالي الذين ينتظرون تلك المناسبة سنويا ليجددوا روابطهم بالعذراء جارتهم.
يقضى الأنبا يؤانس عيده الخامس مع العذراء كأسقف لأسيوط خلفًا للأنبا ميخائيل بعد أن كان سكرتيرًا للبابا شنودة حتى وفاته، وأسقفًا للخدمات الاجتماعية، من تلك الخلفية التى اعتادت الخدمة، آمن الأنبا يؤانس بالأصالة والمعاصرة، فالأسقف الذى قدر له أن يحافظ على تركة العذراء فى درنكة ويحفظها لشعب الكنيسة، قرر أن يريح زوار الدير بالتسهيلات التى يزودها كل عام، ففى حين زود مساكن الدير التى يقصدها الزوار بالتكييفات منذ سنوات، استحدث أسانسيرات لنقل الزوار إلى أعلى الجبل هذا العام، بينما ينوي أن يصل دير درنكة بكوبري يربطه مباشرة بمدينة أسيوط وأخر بمدينة ناصر الجديدة التى بدأت الحكومة فى شقها بصحراء أسيوط.

فى مسرح الدير، وعقب انتهاء دورة العذراء، يعظ الأنبا يؤانس فى الزوار يوميًا بساحة كبيرة يصطفون فيها على كراس بلاستيكية، ولا ينسى أن يمارس هوايته المفضلة فى ترتيل ألحان الكنيسة وتراتيلها بصوته العذب وهو الملقب بقيثارة الكنيسة.
خلف الأنبا يؤانس ومن فوق مسرح وعظته اليومية، تقف العذراء فى زى التجلى الأزرق وحولها الورود تتدلى كمخدع العروس أو كوشة الزفاف.
يقول الأنبا يؤانس أن الدير يستقبل يوميا ما يزيد عن خمسين ألف زائر ترتفع فى أيام الجمعة والأحد لتقترب من السبعين ألف، يواظب معظمهم على الحضور سنويا وهو أكبر احتفال ديني في مصر على حد وصفه مشيرا إلى أن كل هؤلاء يلتمسون بركة العذراء والعائلة المقدسة التى لا تخذل أحدا بعد أن باركت بقدميها هذا المكان الطاهر فصار نبعا للبركة والقداسة يتجدد سنويا.
اليوم السابع


















شارك بتعليقك
فيسبوك ()



احجز الان فى العاصمة الجديده تليفون 00201123000014

تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.