الفاتيكان , في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تحتفل بعيد الشكر، اتجه البابا ليو الرابع عشر نحو الشرق الأوسط، حاملًا خطابًا وُصف بأنه الأكثر صراحة وحدّة منذ انتخابه في مايو الماضي. هذا البابا، الذي يبلغ من العمر 70 عامًا، اختار تركيا لتكون أولى محطاته الخارجية في خطوة غير تقليدية، تُشير بوضوح إلى رغبته في إعادة صياغة الدور الدولي للفاتيكان من خلال التواصل المباشر مع منطقة شديدة الحساسية سياسيًا ودينيًا.

زيارة أولى خارجية لبابا الفاتيكان تحمل نبرة سياسية حادة وتوجّه جديد للكرسي الرسولي
لم تكن الرحلة مجرد زيارة بروتوكولية، رغم الأجواء الهادئة على متن الطائرة حيث تناول البابا فطيرة اليقطين احتفالًا بعيد الشكر. فالرسالة التي حملها كانت أبعد ما تكون عن أجواء الاحتفالات. اللافت أن البابا قرر إلقاء خطابه باللغة الإنجليزية بدلًا من الإيطالية المعتادة، في إشارة فسّرها المراقبون على أنها موجّهة للعالم بأسره، وأنه يسعى لإطلاق رؤية دولية مباشرة تتجاوز حدود الكنيسة الكاثوليكية التقليدية.
ما إن وصل البابا ليو الرابع عشر إلى القصر الرئاسي في أنقرة، حتى التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبدأ حديثه بنبرة حاسمة وغير مألوفة في اللقاءات الدبلوماسية. فقد أكد أن العالم يعيش اليوم حالة من “الحرب العالمية الثالثة ولكن بصورة مجزأة”، مشيرًا إلى أن عدد الصراعات المسلحة والدموية بلغ مستوى “غير عادي”. وأوضح أن سياسات القوة العسكرية، والتوترات الاقتصادية، والتدخلات الإقليمية، جميعها تُغذي حالة عدم الاستقرار.

تحذير صريح من بابا الفاتيكان “حرب عالمية ثالثة مجزأة” ورسائل مباشرة للقوى الدولية
وشدّد البابا على ضرورة عدم الاستسلام أمام هذه الظروف، معتبرًا أن الطموحات التي تتجاهل مبادئ العدالة والسلام تهدد مستقبل البشرية. رسالته جاءت حاسمة، ومباشرة، وابتعدت تمامًا عن الخطابات التي تميل عادةً إلى التهدئة، ما جعل كثيرًا من المحللين يرون أن البابا الجديد يسعى لترسيخ نهج سياسي أكثر حضورًا وتأثيرًا.
من جانبه، رحّب الرئيس أردوغان بكلمات البابا، معتبرًا أنها تعكس “فهمًا ذكيًا” للوضع الدولي، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتوترات الحادة في غزة. ومع أن المسيحيين في تركيا يمثلون أقل من 1% من السكان، فإن اختيار البابا لهذه الوجهة يحمل رسائل رمزية قوية، خصوصًا أنها تتزامن مع مرور 1700 عام على مجمع نيقية الذي يُعد أحد أهم المحطات التاريخية في صياغة العقيدة المسيحية.

تركيا محطة استراتيجية وبوابة نحو الشرق الأوسط ورؤية جيوسياسية جديدة
إضافة إلى ذلك، تتضمن الزيارة محطة مهمة في إسطنبول للقاء البطريرك المسكوني برثلماوس الأول، ما يعكس رغبة البابا في تعزيز الحوار بين الكنائس الشرقية والغربية. كما تشمل الجولة مرحلة أخرى في لبنان، في محاولة لملء الفراغ الذي تركه البابا فرانسيس حين لم يتمكن من زيارة بيروت سابقًا بسبب ظروفه الصحية.
يرى محللون مثل ماسيمو فاجيولي أن هذه الجولة ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل هي مناسبة استراتيجية تمنح البابا الأمريكي الجديد فرصة لإبراز رؤيته للسياسة العالمية، وتحديد موقع الفاتيكان في عالم يتغير بسرعة. ومع خطابه الحاد وتحذيره القاتم حول مستقبل البشرية، يبدو أن ليو الرابع عشر يسعى لافتتاح مرحلة جديدة أكثر انخراطًا وتأثيرًا في المشهد الدولي.








