الأطفال , تشهد أروقة مجلسي النواب والشيوخ حراكاً تشريعياً مكثفاً يهدف إلى صياغة إطار قانوني جديد ينظم ويقنن استخدام الأطفال للهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي. تأتي هذه التحركات استجابة فورية لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية عيد الشرطة الـ 74، والتي دق فيها ناقوس الخطر بشأن ضرورة حماية النشء من المخاطر النفسية والأمنية والاجتماعية التي يفرضها الفضاء الرقمي غير المنضبط.

استراتيجية “الـ 15 عاماً”: مقترحات قانونية لتحصين الهوية الوطنية
أعلن النائب المهندس حازم الجندي، عضو مجلس الشيوخ، عن عزمه التقدم باقتراح برغبة لوضع ضوابط قانونية تمنع استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي للقاصرين حتى سن 15 عاماً. وأكد الجندي أن التكنولوجيا تحولت في كثير من الأحيان من أداة للمعرفة إلى وسيلة “لاختراق العقول” وزرع مفاهيم تتصادم مع قيم المجتمع المصري الأصيلة.
وأوضح الجندي أن هذا التحرك التشريعي لا يهدف إلى العزلة التكنولوجية، بل إلى إيجاد “درع قانوني” يحميهم من التنمر الإلكتروني والابتزاز، والجرائم التي باتت تهدد أرواح الصغار. وشدد على أن الدولة المصرية تتحرك برؤية استباقية للاقتداء بالنماذج الدولية الناجحة، لضمان بناء أجيال واعية تمتلك القدرة على التمييز بين الفائدة الرقمية والمخاطر الفكرية.

نماذج عالمية ملهمة: مصر تسير على خطى أستراليا وأوروبا
من جانبها، كشفت النائبة آمال عبد الحميد، عضو مجلس النواب، عن تقدمها بمقترح مماثل يستهدف “فلترة” الوجود الرقمي للأطفال. وأشارت عبد الحميد إلى أن مصر ليست بمعزل عن العالم، حيث تشهد الساحة الدولية انتفاضة ضد “المنصات المنفلتة”؛ فذكرت نموذج أستراليا التي أقرت حظراً لمن دون الـ 16 عاماً، والمملكة المتحدة التي تدرس التحقق الإجباري من العمر، بالإضافة إلى ماليزيا التي تستعد لفرض حظر شامل بحلول عام 2026.
وأوضحت النائبة أن إحصائيات منظمة “اليونسكو” تعزز هذا التوجه، حيث ارتفع عدد الدول التي حظرت الهواتف داخل المدارس إلى 80 دولة بحلول عام 2025. وأكدت أن الهدف من مقترحها هو منع تحول الأطفال إلى فريسة للإدمان الرقمي الذي يسبب القلق والاكتئاب ويشتت الانتباه التعليمي، مع تحميل شركات التكنولوجيا الكبرى مسؤولية التنفيذ عبر آليات تقنية صارمة.

التوازن الصعب: بين الانفتاح الرقمي والحماية المجتمعية لـ الأطفال
يتفق النواب على أن التقنين المرتقب يمثل ضرورة حتمية للأمن القومي المجتمعي. فالمسألة لم تعد ترفاً، بل هي معركة للحفاظ على “الصحة النفسية” للجيل الجديد. التحرك البرلماني يسعى لفرض ضوابط تقنية تُلزم شركات الاتصالات والمنصات الرقمية بوضع قيود عمرية، مع توفير أدوات رقابة أبوية فعالة تضمن عدم تعرض القاصرين لمحتوى يزييف وعيهم أو يهدد سلامتهم.
إن هذه “الثورة التشريعية” تعكس إدراكاً عميقاً بأن حماية مستقبل الأطفال تبدأ من تنمية وعيهم وتحصينهم ضد المؤثرات الخارجية التي تستهدف ثوابت الدولة. وبذلك، تضع مصر نفسها في مصاف الدول المتقدمة التي أدركت أن سيادة القانون يجب أن تمتد لتشمل العالم الافتراضي، حفاظاً على أثمن ما تملكه الأمة: أطفالها.








