الأنبا يوساب الأبح… كتب العديد من المؤلفات التي حظيت بالتقدير والإعجاب في مختلف المجالات. هذه العبارة تعبر بصدق عن العالم الجليل “الأنبا يوساب الأبح، أسقف جرجا وأخميم”، الذي كان بحق أحد رواد التعليم والتنوير في عصره. اشتُهر بنبرته الفريدة التي كانت نتيجة كثرة وعظه المستمر للناس.

نبذه عن الأنبا يوساب الأبح
وُلد القديس الأنبا يوساب الأَبَحّ عام 1735م في بلدة النخيلة لعائلة غنية ذات نزعة إنسانية واهتمام بالفقراء. وعندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، أراد والداه تزويجه، لكنه رفض رغبةً منه في السير على نهج الرهبنة.
قرر الانضمام إلى دير القديس أنبا أنطونيوس في بلدة بوش، حيث برزت فضائله من تواضع وتقوى، ما دفع رئيس الدير للسماح له بالانتقال إلى دير آخر في البرية الشرقية. هناك، رحبت به الجماعة الرهبانية بفرح بعد سماعهم عن ورعه وبحثه المكثف وتأملاته في الكتب المقدسة. لم يمر وقت طويل حتى تمت إلباسه ثياب الرهبنة.
وصلت أخبار القديس إلى مسامع الأب البطريرك أنبا يوحنا السابع بعد المئة، الذي استدعاه ليكون قريبًا منه. وبعد أن تحقق البطريرك من علمه وتقواه، قرر مع الأساقفة اختياره أسقفًا على كرسي جرجا، وهو المنصب الذي رفضه القديس في البداية نظرًا لما يحمله من مسؤوليات. رغم اعتذاره، تمت رسامته رغمًا عنه.

الأنبا يوساب الأبح
عند وصوله إلى مقر كرسي الأسقفية، وجد الأنبا يوساب الأبح شعبه يعاني من تأثير بعض الهراطقة. بذل جهودًا كبيرة لتوحيدهم وتعليمهم، إلى جانب بناء الكنائس وكتابة المقالات اللاهوتية. سعى لنشر التعليم الصحيح وتوضيح العديد من القضايا الدينية المعقدة بهدف تعزيز إيمان شعبه. كما ساهم في تصحيح العادات والتقاليد التي لم تكن مقبولة.
فضلاً عن ذلك، تميز القديس بحكمته وسعيه للإصلاح، إذ عمل على حل النزاعات، وقف بجانب الفقراء والمحتاجين دون تحيز، ولم يقبل الرشوة أو يحابي في أحكامه. عاش حياة الزهد، محتفظاً فقط بما يكفي لحاجاته الشخصية مخصصًا ما تبقى للرهبان بالأديرة.
عندما دنا أجله، مرض لفترة قصيرة قضى خلالها بعض الوقت في مقر كرسيّه وأخرى لدى الأب البطريرك أنبا بطرس التاسع بعد المئة. بعد ذلك عاد إلى ديره بالبرية حيث لقي استقبالًا حارًا من الرهبان. هناك قضى أيامه الأخيرة وانتقل إلى السماء في 17 طوبة عام 1826م عن عمر يناهز 91 عامًا، منها 25 قضاها قبل الرهبنة، و31 سنة راهبًا بالدير، و35 سنة كخادم شعبه كأسقف.
أما عن أصل لقب “الأبح”، يقدم المؤرخ إسحق الباجوشي تفسيرين لهذا الاسم: الأول ينسب اللقب إلى أصول أسرية تعود إلى “يوحنا الأبح”، كاتب خليفة القرن الحادي عشر الذي أعاد ترميم كنيستي أبو سرجة وأباكير ويوحنا بمصر القديمة. والتفسير الآخر يشير إلى أن اللقب مرتبط ببحة صوته الناتجة عن كثرة الوعظ، بحسب روايات مجمع رهبان دير الأنبا أنطونيوس.

اكتشاف جسد القديس الأنبا يوساب الأبح
بالنسبة لاكتشاف جسد القديس الأنبا يوساب الأبح، فقد حدث ذلك لأول مرة عام 1948م عندما كان الأنبا إيساك مطران الفيوم ناظرًا لدير الأنبا أنطونيوس. تم التعرف عليه آنذاك عبر علامات مميزة على جسده. وعلى الرغم من طلب الرهبان إعداد مقصورة لوضع الجسد بها، إلا أن الأنبا إيساك أصر على البساطة تماشيًا مع حياة القديس المتواضعة. فيما بعد، في عام 1965م، أعيد النظر في الأمر بموافقة البابا كيرلس السادس وتم تجهيز مقصورة للجسد الذي لا يزال محفوظًا داخل الدير إلى يومنا هذا.
أما المقتنيات المتبقية من القديس فتشمل: ملابسه الكهنوتية التي تُعرض الآن بمتحف الدير بجوار ملابس البابا كيرلس الرابع (البطريرك رقم 110)، وصليبًا فضيًا محفورًا عليه اسمه والذي يستخدمه الأنبا يسطس، أسقف ورئيس الدير الحالي، في عيد الأنبا يوساب









