أبونا بولس العابد.. وُلد القديس حنين صليب في عام 1899، في مركز سمالوط وسط أسرة مسيحية. لاحقًا، اختار طريق الرهبنة في دير الأنبا مقار، حيث بدأ رحلة الحياة الروحية بتحديات عظيمة، واشتهر بحبّه العميق للعزلة. قرر التوحد في دير العزب ثم انتقل إلى مغارة في نجع حمادي.

سيرة القديس أبونا بولس العابد المقاري السائح
تميز القديس بولس العابد بعمق صلواته، كثرة أصوامه، و عيشه حياة الزهد والعبادة، مما جعله يُلقب بـ “بولس العابد”. وصل إلى درجة السياحة الروحية، وخلال سنوات من العيش في هذه الحالة، نقل الكثير من خبراته إلى تلميذه الأنبا تيموثاوس الذي حفظ سيرته بعناية.
أكرمه الله بأن تَجلّت على يديه معجزات عديدة؛ شفاء المرضى وتنبؤات بأحداث مستقبلية. كان لخدمته أثرٌ كبير في منطقة العسيرات، حيث قام بترميم الكنيسة بناءً على طلب السيدة العذراء.
تنيح القديس بولس العابد بسلام يوم السادس عشر من يونيو عام 1965، و دُفن جسده الطاهر في مزار خاص بمقابر الأقباط بالقرب من دير الأنبا شنودة الغربي بسوهاج تلبيةً لرغبته الأخيرة. يرقد بجواره الأنبا تيموثاوس الأسقف العام الذي وثّق تفاصيل حياته وسيرته في مؤلفات عديدة.

أبونا بولس العابد وحياته الرهبانية
خلال حياته الرهبانية، كان القمص أبونا بولس العابد المقاري يزور ديره الأصلي، دير القديس أبو مقار بوادي النطرون السنويّة، والتي تستغرق عادةً ثلاثة أسابيع أو شهرًا على الأكثر. أثناء هذه الزيارات، كان يقوم بجولاتٍ إلى أديرة وادي النطرون مثل السريان، البراموس، والأنبا بيشوي.
في أحد الأيام وأثناء رحلته إلى دير السيدة العذراء السريان، ضلَّ القمص بولس الطريق وتوه في الصحراء. شعر بالخوف شديدًا حتى توقف عن السير وصلى متضرعًا للسيد المسيح أن يوجهه إلى حيث يشاء. خلال هذه اللحظة المؤثرة من الصلاة، ظهر له رجل غريب وقف بجانبه وسلّم عليه قائلاً: “السلام لك يا قمص بولس”. كان ذلك الرجل يُدعى ميخائيل السائح، وهو رجلٌ مكرَّس في سياحة بسبب محبته القوية للسيد المسيح.
أخذ السائح هذا القمص أبونا بولس العابد إلى مغارة في قلب الجبل، حيث التقاه بسائح آخر مسن يدعى القمص بولس السائح الكبير والذي كان يعيش عمرًا طويلاً بلغ 180 عامًا. كان معه تلميذه القس ميخائيل السائح الذي بلغ عمره 160 عامًا. بعد لقائهم، طلب القمص بولس السائح الكبير من القمص بولس أن يُفرغ نفسه من
شؤون العالم المادية ويترك نقوده خارج المغارة قبل الدخول. وبعد ذلك بدأوا الحديث معه عن أمور روحيّة عميقة وكشفوا له عن أن السيد المسيح قد أعلَمهُم بمجيئه ليكون تلميذًا للقس ميخائيل السائح. كما تبادلوا الأحاديث حول شخصية القديس جرجس أبو كفه وطرق التواصل معهم لاحقًا.

الأحداث الروحية
بعد سلسلة من الأحداث الروحية، أُعيد القمص بولس بواسطة السائحين إلى دير السريان. واستمرت لقاءاتهم المتكررة سواءً في الحبشة أم أي مكان كانوا فيه مثل الرحمانية أو العسيرات حيث كان يقيم القمص بولس العابد.
فيما يتعلق بالفردوس، ذكر الأنبا تيموثاوس، تلميذ القمص بولس العابد، أن القمص بولس العابد برفقة القمص بولس السائح الكبير والقس ميخائيل السائح، ذهبوا جميعًا لزيارة الفردوس وأرض الطوباويين في رحلة روحية فريدة تضيف إلى سجلات حياتهم المقدسة أحداثًا خارقة لا تُنسى.
ظهور السيدة العذراء للقديس
في ليلة مباركة، كان القديس يتأمل في صمت داخل الكنيسة، فإذا بنور جميل ينبعث من صورة السيدة العذراء. أعقب النور صوتها السماوي وهي تخاطبه قائلة: “يا راهب كنيستي، الكنيسة قريبة السقوط، وإن سقطت لن يتمكن أحد من بنائها مرة أخرى. أدعو الشعب ليجمع التبرعات وليساهموا في ترميمها قبل فوات الأوان.”
أجابها القديس بصوت يخالطه التأثر: “يا سيدتي العذراء، كما تعلمين، أنا شيخ طاعن في السن ومريض، كما أنني غريب في هذه البلدة. كيف لي أن أقوم بهذا العمل الجليل؟” فردت السيدة العذراء بابتسامة طمأنينة: “إن لم تقم أنت بهذا العمل فلن يستطيع غيرك القيام به. فالناس يحبونك ويثقون بك، وسيطيعون كلمتك. ابدأ العمل وسترى يد المعونة من ابني وإلهي.”
وبفضل هذا التشجيع الذي تلقّاه من السيدة العذراء، تم تجديد الكنيسة بشكل معجزي، وأصبحت شهادة حية لإيمان سكان البلدة. ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي ظهرت فيها السيدة العذراء للقديس، بل اعتادت الظهور له في هيئتها السماوية، وكانت بلدة العسيرات شاهدة على معجزات ونبوات عظيمة ارتبطت بخدمة القمص بولس العابد، رجل الله.
دفن القديس
في آخر أيام حياته على الأرض، كان القديس يُوصي أبناءه قائلاً: “أيّامي على الأرض قاربت على الانتهاء. ادفنوا جسدي بدير الأنبا شنودة في سوهاج.” وفي يوم من الأيام، ذهب القديس برفقة المقدس نجيب أرومانيوس إلى المدافن الخاصة بعائلة بيت أرومانيوس في دير الأنبا شنودة بسوهاج. هناك أمسك القديس عصاه وحدد موقعًا معينًا بالقرب من السور ليكون موضع قبره، بل وحدّد الأبعاد من الجهات الأربع. وأوصى ببناء المدفنة في ذلك المكان.
عندما توفي القديس، تقرر مبدئيًا وضع جسده الطاهر في مقبرة قديمة لفترة مؤقتة دامت ستة أشهر. بعد الانتهاء من بناء المدفنة الجديدة، تم نقل جسد القديس بتكريم كبير وسط الألحان والترانيم الروحية. وخلال نقل النعش، تجاسر أحد محبّي القديس وفتح الصندوق ليلمس الجسد تبركًا. وإذا به يصرخ معظّمًا اسم الله في قدّيسيه، إذ وجد أن جسد القديس لم يتعرض للفساد. وقد أكّد القمص ميخائيل أفا مينا أن الجسد لا يزال إلى يومنا هذا محفوظًا دون فساد.
ظهورات القديس ومعجزاته
شهدت منطقة الدير والمدفنة ظهورات روحانية للقديس بولس العابد وتلميذه الأنبا تيموثاوس، حيث كانوا يُشاهدون وسط المدفنة وتُسمَع أصوات تسابيح وتراتيل تُخرج نسيمًا من الجلال السماوي. وقد أكد هذه الظاهرة عساكر شركة الكهرباء القريبة من المدفنة، الذين شهدوا أمورًا خارجة عن المألوف. أما المعجزات التي تجري عند قبر القديس فلا تعد ولا تحصى.
بركة صلواته العطرة وشفاعته السماوية تكون معنا جميعًا.









