تواضروس , لم تكن منصة التكريم داخل الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية مجرد مسرحٍ لتوزيع الشهادات الأكاديمية، بل تحولت في لحظة استثنائية إلى ساحة لرد الجميل، ومهرجان إنساني فاضت فيه مشاعر العرفان والوفاء. في هذا المحفل المهيب الذي ترأسه قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، لتكريم المتميزين من حملة الماجستير والدكتوراه، خطفت فتاة مصرية الأنظار بلقطة عفوية هزت قلوب الحاضرين وأشعلت منصات التواصل الاجتماعي، عندما رفضت صعود منصة التكريم بمفردها، وأصرت أن تقود والدها من يده ليتشارك معها المجد الذي كان هو صانعه الأول.

الجلباب الصعيدي يتألق في محفل العلم والعلماء برئاسة البابا تواضروس
بخطوات واثقة وجلباب صعيدي أصيل يعكس عراقة الهوية المصرية وكفاح أصحابها، صعد الأب البسيط إلى منصة التكريم برفقة ابنته “دميانة رشدي”، التي نالت درجة الماجستير في هندسة البرمجيات. هذا الجلباب لم يكن مجرد زيٍّ تقليدي وسط البدلات الرسمية، بل كان وساماً يختصر سنوات من الشقاء والعرق في غيطان الصبر، ليعلن للجميع أن العظمة لا تصنعها المظاهر بل تصنعها العزائم. وقف الأب بجوار ابنته ليتلقى تحية خاصة وكلمات ثناء من قداسة البابا تواضروس والآباء الأساقفة، في مشهد جسد أرقى معاني الأبوة الحقة، وحقق للأب حلماً طال انتظاره؛ إذ غمرته الفرحة وهو ينال بركة البابا، تلك البركة التي لم يتمكن من الحصول عليها في تكريم بناته السابقات عام 2021 بسبب ظروفه آنذاك.

هندسة وتربية وبرمجيات.. رباعية ذهبية في بيت واحد
خلف هذا المشهد الاحتفالي تكمن قصة ملهمة لأب مصري كافح بضراوة ضد ظروف الحياة. فرغم أنه لم يحظَ بقسطٍ كافٍ من التعليم في صغره، إلا أنه كان يمتلك بصيرة نافذة ورؤية سابقت العصر؛ حيث أدرك مبكراً أن سلاح العلم هو الضمانة الوحيدة لمواجهة التحديات وبناء مستقبل مستقر. لم يستسلم الأب للمفاهيم المجتمعية المغلوطة، بل ركّز جلّ جهوده وطاقته من أجل تعليم بناته الأربع وتأهيلهن لأعلى الدرجات العلمية. هذا الاستثمار العظيم أثمر عن “رباعية ذهبية” من النجاح؛ ففي عام 2021 احتفل بتكريم ابنتيه الأكبر لحصولهما على الماجستير في التربية والهندسة، واليوم يسير على دربهما بتكريم “دميانة” في هندسة البرمجيات، بينما تواصل الابنة الرابعة رحلتها الأكاديمية بثبات نحو نيل الدرجة ذاتها، ليكون هذا البيت مصنعاً حقيقياً للعقول المشرفة.

عندما يتحول الدعم الأسري إلى قوة دافعة لبناء الوطن
إن قصة عائلة عم “رشدي” ليست مجرد إنجاز أكاديمي عابر، بل هي رسالة مجتمعية بالغة الأهمية تؤكد أن الأسرة هي نواة التفوق وبناء الأوطان. لقد نجحت البنات الأربع في تحويل هذا الدعم الأسري اللامحدود إلى طاقة إيجابية مكنتهن من حصد مراكز مرموقة والعمل في قطاعات حيوية ومؤسسات كبرى داخل الدولة، ليصبحن نماذج مضيئة وملهمة لغيرهن من الفتيات. وفي حديثها المؤثر، أكدت دميانة أن الاحتفاء بها هو في جوهره تكريم لوالدها الذي آمن بقدراتهن في وقت عزّ فيه الإيمان، قائلة إن نجاحهن هو الثمرة الطبيعية لإصراره وتعبه طوال مراحل الحياة، متمنية أن يدوم هذا النجاح ليبقى رأس هذا الأب العظيم مرفوعاً دائماً وأبداً بفخر واعتزاز.






