البحث

إميل شكرالله يكتب العقرب والضفدع... الإيديولوجيا الغريزية

منذ 9 شهر
October 9, 2018, 10:08 am
إميل شكرالله يكتب العقرب والضفدع... الإيديولوجيا الغريزية

د إميل شكرالله 

قام أحدهم بصياغة نظرية بعنوان " العقرب والضفدع " وسألني عن الرأي العلمي فيها وسردها على النحو التالي: توسل حيوان العقرب إلى الضفدع لكي يمتطي ظهره حتى يعبر ‏إلى الجهة الأخرى من البركة. وافق الضفدع وعندما وصلا إلى اليابسة لدغة العقرب وقفز إلى اليابسة ‏وغرق الضفدع في البركة. فوضع الرجل نظرية تقول "أن حيوان العقرب شرير ويجب قتله والقضاء عليه ‏وسحقه من الوجود" والدليل على صحة النظرية ما فعله العقرب مع الضفدع المسالم. ‏

فأجبت بأن هذه النظرية خاطئة فليس العقرب حيوان شرير وليس الضفدع حيوان مسالم لأن كل منهما قد ‏تصرف طبقا للإيديولوجيا الغريزية التي تحكمه. وأن الصفات الغريزية للحيوان لا يمكن وصفها بالصحيحة ‏أو الخاطئة لأنها ضمن الإيديولوجيا الغريزية الحاكمة لكل منهما فلكل منهما أيدلوجيا غريزية تختلف عن ‏الآخر وهو يتصرف بناء عليها، وبالمناسبة إذا جاء نفس العقرب إلى نفس الضفدع ـ بفرض أنه نجا من ‏اللدغة الأولى لفعل كلاهما نفس الشيء ذاته، وبالتالي لا يحق للمرء أن يصف العقرب بالشرير لأنه لدغ ‏الضفدع ولا ينبغي أن نلوم الضفدع لأنه مسالم لأن كل من العقرب والضفدع قد مارس مقتضيات وجوده ‏ووظائفه. أما إذا لدغ العقرب الإنسان فيلام الإنسان الذي لم يفهم طبيعة هذا الحيوان ولم يتدبر أمور الحماية ‏من لدغاته. لأن الإنسان الطبيعي الذي يمتلك العقل لا ينتمي إلى الأيدلوجيا الغريزية الثابتة التي للحيوان ‏وإنما إلى الأيدلوجية الفكرية المتغيرة التي للإنسان. ‏

فسألني .وما هو الفرق بين الإيديولوجيا الغريزية والإيديولوجية الفكرية؟؟ فأجبته بأن الإيديولوجيا ‏الغريزية تتكون من منظومة غرائزية لا تعتمد على العقل بينما الأيديولوجيا الفكرية تتكون من منظومة ‏فكرية تعتمد على العقل وتتغير بتغير الوعي الإنساني. فالإنسان البدائي الذي كان يعيش طبقا للغرائز لم ‏يكن يعرف الفرق بين الزوجة والابنة ولا يعرف الفرق بين الصدق والكذب ولا يعرف الفرق بين سبب ‏وجوده على الأرض أو الهدف منه . أما الآن فالإنسان ينتمي إلى ايدلوجيا الأفكار المتغيرة وهي منظومة ‏فكرية يتم فيها ترتيب الأفكار بطريقة مثلى تمكنه من تحقيق استحقاقات الخير والسلام والرخاء لنفسه ‏وللبشرية جمعاء. ‏

فعاد وسألني مرة أخرى. وهل توجد أفكار صحيحة وأفكار خاطئة؟ فأجبته "لا توجد  أفكار صحيحة ‏وأفكار خاطئة ولكن توجد ايدلوجيات صحيحة وايدلوجيات خاطئة". وكما قال الفيلسوف فولتير "لا يوجد ‏شيء سيء في ذاته او طيب في ذاته وإنما فكر الإنسان يجعله أحدهما"

فالأفكار مخلوقات مثلها مثل باقي المخلوقات فلا يمكن أن نصف الفكرة بالخاطئة أو بالصحيحة كما لا ‏يمكننا أن نصف العقرب بالشرير لأنه لدغ ضفدعاً لأن في هذه الحالة علينا أيضاً أن نصف الضفدع ‏بالشرير لأنه يلتهم الحشرات. وإن الأفكار هي التي تبحث عن العقل البشري الذي يستطيع أن يدركها ‏ويفهمها؟؟ وقدمت له مثالاً عن فكرة الجاذبية الأرضية التي كانت موجودة من قبل أن يوجد نيوتن بملايين ‏السنين ولكن عقل نيوتن هو من استطاع أن يقبلها ويفهمها في الزمن المحدد. ‏

فإذا كان الإنسان لا يزال محكوما بالايديولوجيا الغرائزية فسوف يقبل الأفكار التي لا تتوافق مع العقل بل ‏تتوافق مع الغرائز، وإذا كان محكوما بالأيدلوجية الفكرية التي تتطور مع الزمان والمكان فسوف يقبل ‏الأفكار التي يقبلها العقل ويرفض الأفكار التي تتعارض مع التفكير الحر غير المقيد بثوابت الغرائز.‏‎ ‎

‏ فعلى سبيل المثال إن جاءتك فكرة "أنك إنسان بار" فهل هي تقبلها أم ترفضها؟؟ في الحقيقة أن الإنسان ‏العاقل يجب أن يرفضها معللاً ذلك باحتمالية قبولها من آخرين وبالتالي لن يكون هو الوحيد الذي يمتلك ‏هذه الفضيلة. أما الإنسان الغرائزي العتيق فعلى الفور يقبلها معللاً ذلك بأنه يستحقها لأن ينفذ كل ‏الفروض والطاعات حسب معتقداته وبالتالي يتعالى على الآخرين معتبرا إياهم من الأشرار.‏

والآن إذا سلمنا بفكرة أن العقرب شرير ففي هذه الحالة من الواجب على كل أتباع هذه الفكرة أن يقتلوا كل ‏العقارب التي على سطح الأرض، ولكن هذا بالتأكيد مستحيل لأن العقارب سوف تختبيء في شقوق ‏الأرض والجبال الواسعة وتتحرك بحذر وتخطيط محنك من أجل الحماية وبالتالي فإن المطالبين بسحق ‏العقارب وقتلهم جميعا لن ينجحوا وسوف تستنزف طاقتهم في حرب بلا هوادة وايضا بلا فائدة.‏

‏ وإذا سلمنا بفكرة أن العقارب ليست شريرة فسوف نجد العقارب في كل مكان وقد انتشرت فوق سطح ‏الأرض فلم تعد في حاجة إلى الاختباء في شقوق الأرض وسوف يتضاعف أعداد القتلى من البشر ‏المسالمين الذين لم يفهموا بعد نظرية حيوان العقرب. ‏

فما هو الحل إذن يتساءل بعضهم؟؟ كيف نواجه خطر الأيديولوجيا الغرائزية التي تمثلها الجماعات ‏الإرهابية التي تقتل الأبرياء والمسالمين وتحارب الأوطان التي تنتمي إليها وتحارب الأوطان التي تهاجر ‏إليها وتحارب الأب والأم والأخ والصديق والغريب وكل من لا ينتمي إليها ؟ كيف نتعامل مع الأيديولوجيا ‏الغرائزية التي وحدت أشكال تابعيها فلا تستطيع أن تفرق بينهم كما لا تستطيع أن تفرق بين أنواع ‏العقارب؟ ‏

إن الدول التي تريد أن تنهض من تخلفها وتتقدم نحو الرخاء مطالبة أولاً بتطهير نفسها من العقارب النائمة ‏في جحور مؤسساتها وذلك عن طريق تغيير الخريطة الجينية لأفكارهم وهو ما يسمى بالمراجعات الفكرية ‏وهذا يحتاج إلى مجهودات عظيمة لأن هناك خطط شيطانية عالمية لتنمية الأيدلوجيات الغرائزية. ‏

الحكام الشجعان تقع على عاتقهم وحدهم مسئولية وضع آليات نافذة حازمة حاسمة لتقديم الحماية الفكرية ‏لشعوبهم بدءً من المراحل العمرية الأولى لتتحصن ضد تصرفات العقارب المميتة وعليها ايضاً أن ‏تسمح بتصادم الأفكار في كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية لأنها هي التي تأتي بالاستنارة مثلها في ‏ذلك مثل تصادم الذرات الذي ينتج عنه النور. ‏

وعلى الحكومات العربية أن تتبنى برامج تنويرية في كل برامجها وأن تشجع التلاميذ في المدارس ‏والطلاب في الجامعات والعمال في مصانعهم بممارسة كل أنواع الفنون فهذا كفيل بأن يحميهم من سموم ‏العقارب ويدخلهم في الأيديولوجيات الفكرية التي تتطور وتنمو طبقا لتطور العلوم والفنون‏

وفي نفس ذات الوقت كلما ظهر عقرب أو مجموعة من العقارب لممارسة غريزة اللدغ في أيا من ‏مؤسسات الدولة فعلينا بمساعدة الحكومات لكي تتمكن من سحقها تماما حتى تظل العقارب الأخرى في ‏باطن الأرض فتنتحر ذاتيا. "‏‎‎فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‎"‎

[email protected]

  ايلاف 

 
















شارك بتعليقك
فيسبوك ()



احجز الان فى العاصمة الجديده تليفون 00201123000014

تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.